فخر الدين الرازي

68

تفسير الرازي

يقدرون على التصرف في ظواهر الخلق ، ولما استجمعوا هذين الوصفين لا جرم كانوا هم الحكام على الإطلاق . إذا عرفت هذه المقدمة فقوله : * ( آتيناهم الكتاب ) * إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم العلم الكثير وقوله : * ( والحكم ) * إشارة إلى أنه تعالى جعلهم حكاماً على الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر . وقوله : * ( والنبوة ) * إشارة إلى المرتبة الثالثة ، وهي الدرجة العالية الرفيعة الشريفة التي يتفرع على حصولها حصول المرتبتين المقدمتين المذكورتين ، وللناس في هذه الألفاظ الثلاثة تفسيرات كثيرة ، والمختار عندنا ما ذكرناه . واعلم أن قوله : * ( آتيناهم الكتاب ) * يحتمل أن يكون المراد من هذا الإيتاء الابتداء بالوحي والتنزيل عليه كما في صحف إبراهيم وتوراة موسى ، وإنجيل عيسى عليه السلام ، وقرآن محمد صلى الله عليه وسلم . ويحتمل أن يكون المراد منه أن يؤتيه الله تعالى فهماً تاماً لما في الكتاب وعلماً محيطاً بحقائقه وأسراره ، وهذا هو الأولى . لأن الأنبياء الثمانية عشر المذكورين ما أنزل الله تعالى على كل واحد منهم كتاباً إلهياً على التعيين والتخصيص . ثم قال تعالى : * ( فإن يكفر بها هؤلاء ) * والمراد فان يكفر بهذا التوحيد والطعن في الشرك كفار قريش * ( فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك القوم من هم ؟ على وجوه ، فقيل : هم أهل المدينة وهم الأنصار ، وقيل : المهاجرون والأنصار ، وقال الحسن : هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم وهو اختيار الزجاج . قال الزجاج : والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : * ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) * وقال أبو رجاء : يعني الملائكة وهو بعيد لأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم ، وقال مجاهد هم الفرس ، وقال ابن زيد : كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكاً أو نبياً أو من الصحابة أو من التابعين . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ) * يدل على أنه إنما خلقهم للإيمان . وأما غيرهم فهو تعالى ما خلقهم للإيمان ، لأنه تعالى لو خلق الكل للإيمان كان البيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركاً فيه بين المؤمن وغير المؤمن ، وحينئذ لا يبقى لقوله : * ( فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ) * معنى ! . وأجاب الكعبي عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى زاد المؤمنين عند إيمانهم وبعده من ألطافه وفوائده وشريف أحكامه ما لا يحصيه إلا الله ، وذكر في الجواب وجهاً ثانياً ، فقال :